molay مدير مراقب
البلد : المغرب الجنس : عدد المساهمات : 11945 تاريخ التسجيل : 17/12/2009 الموقع : STARMUST2
بطاقة الشخصية الدرجة: (1365/1365)
| موضوع: بالشكر تدوم النعم - عايد بن علي القزلان التميمي الأربعاء 23 نوفمبر - 6:11:24 | |
|
بالشكر تدوم النعم
عايد بن علي القزلان التميمي
الخطبة الأولى
أما بعدُ: فيا عباد الله، يقول ربنا في محكم التنزيل: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ، فالشكر يأتي بالمزيد دائما.
ولنسمع قول ابن القيم -رحمه الله- عن الشكر، يقول: "وشكر العبد يدور على ثلاثة أركان لا يكون شكورا إلا بها، وهي: الاعتراف بالنعمة باطنا، والتحدث بها ظاهرا، والاستعانة بها على طاعة الله. فالشكر يتعلق بالقلب واللسان والجوارح".
وقد قرن الله سبحانه وتعالى الشكر بالإيمان، وأخبر أنه لا غرض له في عذاب خلقه إن شكروا وآمنوا به، فقال تعالى: مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ [النساء: 147].
وأخبر سبحانه أن أهل الشكر هم المخصصون بمنته من بين عباده، قال: وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ [الأنعام: 53].
ووصف الله سبحانه الشاكرين بأنهم قليل، فقال تعالى: وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ [سبأ: 13].
وقد أثنى الله سبحانه على نوح بالشكر: إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا، وقال عن إبراهيم الخليل عليه السلام: إِنَّ إِبْرٰهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَٰنِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ شَاكِراً لأنْعُمِهِ ٱجْتَبَٰهُ وَهَدَاهُ إِلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ.
عباد الله، وقد ثبت في الصحيحين أن النبي قام حتى تفطرت قدماه، فقيل له: أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! قال: ((أفلا أكون عبدا شكورا؟!)). وثبت في المسند وسنن أبي داود أن النبي قال لمعاذ: ((والله إني لأحبك، فلا تنس أن تقول دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك)). وقد ثبت في مسند أحمد وسنن الترمذي عنه أنه قال: ((إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَيَرْضَى عَنْ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الْأُكْلَةَ أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهَا)). فكان هذا الجزاء العظيم أن يرضى الله عنه، الذي هو أكبر أنواع الجزاء، كما قال تعالى: وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ، فرضوان الله على العبد في مقابل الشكر بالحمد.
وفي الحديث عن أبي هريرة عن النبي أنه قال: ((انْظُرُوا إِلَى مَنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ؛ فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ)) أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجه وصححه الألباني.
قال أبو الدرداء: (من لم يعرف نعمة الله عليه إلا في مطعمه ومشربه فقد قَلّ عمله وحَضَرَ عذابه)، وقال سفيان الثوري: "كان يقال: ليس بفقيه من لم يعد البلاء نعمة والرخاء مصيبة"، وقال الشعبي: "الشكر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله"، وقال عمر بن عبد العزيز: "قيدوا نعم الله بشكر الله". ولهذا كانوا يسمون الشكر: (الحافظ)، لأنه يحفظ النعم الموجودة، و(الجالب)، لأنه يجلب النعم المفقودة.
عباد الله، قال تعالى: وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ لِيَكْفُرُوا بِمَا آَتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ [النحل: 53-55]، وقال تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ [إبراهيم: 34].
عباد الله، احذروا من الكفر بنعم الله تعالى لأن الكفر بنعم الله تعالى يؤدي إلى زوالها قال تعالى: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [النحل: 112].
وقد كان النبي يستعيذ من زوال النعمة في دعائه كما في صحيح مسلم: ((اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجأة نقمتك، وجميع سخطك)).
أيها المسلمون، يجب أن نعلم أن الله تعالى لا يزداد ملكه شيئا بشكر الناس له ونسبتهم الفضل إليه، كما أنه لا يتضرر بكفرهم، لأنه الغني الحميد، ولكنه تبارك وتعالى يحب أن يُحْمَد ويُشْكَر ويرضى عن العبد بذلك، ويكره أن يُكْفَر به وبنعمته ويَسْخَط على العبد بذلك، قال تعالى: إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ [الزمر: 7].
بل المستفيد والمنتفع بالشكر هو الإنسان نفسه، كما أنه هو المتضرر بالكفر، قال تعالى عن سليمان عليه السلام: قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ [النمل: 40].
إخوة الإيمان، إننا نرى ونسمع ما يحدث لمن حولنا من حروب وزلازل ونحن ولله الحمد قد حبانا الله بنعم عظيمة، لم تتوفر لغيرنا، أمام كل ذلك لا بد لنا أن نفيق من غفلتنا، ومن لم توقظه تلك المصائب فمتى يستفيق؟!
أيها المسلمون، إنه ليس بيننا وبين الله نسب حتى يكون العذاب وسلب النعم لغيرنا ونحن السالمون، فمتى نرجع؟! أما نخشى الله ونحن نقرأ: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [الأنفال: 25]؟! إن دفع هذا البلاء لا يكون إلا بصدق العودة إلى الله وشكر نعمه وتحقيق الإيمان به، فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ، وقال سبحانه: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
أيها المسلمون، ما زلنا نعيش فرحة الأوامر الملكية والتي تفضل بها خادم الحرمين الشريفين حفظه الله وبارك في عمله وعمره؛ مما يؤكد حرص ولاة أمرنا في هذه البلاد على تلمس احتياجات المواطنين وتتبع اهتماماتهم، وعلى تحسين مستوى معيشتهم والرقي بهم إلى ما تتحقق بهم طموحاتهم وتسهيل ما يصعب عليهم.
فكم من كربة بهذه الأوامر نُفست! وكم من ضائقة بهذه الأوامر فرجت! وكم من أسرة بهذه الأوامر قد أسعدت! وكم من ديون بهذه الأوامر سددت! وكم من ابتسامة بهذه الأوامر على الوجوه قد ارتسمت! وكم من دمعة بهذه الأوامر من على الخدود قد كفكفت!
أيها المسلمون، والله لا أقول هذا تزلفا أو مجاملة، وإنما لأنه قد صح الخبر عن النبي أنه قال: ((من لا يشكر الناس لا يشكر الله))، وقال عليه الصلاة والسلام: ((ومن صنع إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه)).
فنسأل الله أن يجزي ولاة أمرنا عنا خير الجزاء، فإن من علامات الخيرية فيهم محبتهم للناس ومحبة الناس لهم كما قال عليه الصلاة والسلام من حديث عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: ((أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخِيَارِ أُمَرَائِكُمْ وَشِرَارِهِمْ؟ خِيَارُهُمْ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ وَتَدْعُونَ لَهُمْ وَيَدْعُونَ لَكُمْ)) أي: تدعون لهم ويدعون لكم.
ألا وإن من المناسب أن أُذَكر نفسي وإياكم بحديث رسول الله : ((فَوَاللَّهِ، مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنْ أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمْ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُلْهِيَكُمْ كَمَا أَلْهَتْهُمْ)) أخرجه البخاري.
ألا فاحمدوا الله -أيها المسلمون- واشكروا له على ما منّ به عليكم من أمن وأمان ورغد في العيش والأوطان وصحة في الأبدان.
حينَ ختم خادم الحرمين خطَابه بقوله: "لا تنسوني من دعائكم" حُق لكل مسلم يعيش علَى أرض هذا الوطن أن يبتهل بالدعاء له: اللهم احفظه من كل سوء ومكروه وأسبغ عليه النعم، وألبسه لباس الصحة والعافية، واجعله ذخراً للإسلام والمسلمين، وانصر به دينك وسنة نبيك محمد ، وهيئ له البطانة الصالحة، اللهم حببه إلى شعبه وحبب شعبه إليه...
| |
|